أحمد مصطفى المراغي

157

تفسير المراغي

وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ) أي إنا أعددنا لمن كذب بالبعث والحشر ، والنشر والحساب والجزاء نارا تسعر وتتقد عليهم ، وإذا كانت منهم بمرأى الناظر سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ ؛ لشدة توقدها ، وصوت الزفير الذي يخرج من فم الحزين المتهالك حسرة وألما . أخرج ابن المنذر وابن جرير عن عبيد بن عمير أنه قال « إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ، ولا نبىّ مرسل إلا ترعد فرائصه ، حتى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه فيقول : رب لا أسألك اليوم إلا نفسي » . وإذا ألقوا منها في مكان ضيق قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال والسلاسل ، استغاثوا وقالوا يا ثبوراه : أي باهلاكنا احضر فهذا وقتك ، فيقال لهم : لا تنادوا هلاكا واحدا وادعوا هلاكا كثيرا : أي إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحدا ، إنما ثبوركم منه كثير ، لأن العذاب ألوان وأنواع ، ولكل منها ثبور لشدته وفظاعته . وخلاصة ذلك - إن اللّه قد أعدّ لمن كذب بالقيامة نارا مستعرة ، وإذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها ، وإذا طرحوا منها في مكان ضيق وهم مقرنون في السلاسل والأغلال تمنوا الهلاك ليسلموا مما هو أشد منه كما قيل : ( أشد من الموت ما يتمنى معه الموت ) فيقال لهم حينئذ : لا تدعوا هلاكا واحدا فإنه لا يخلّصكم ، بل اطلبوا هلاكا كثيرا لتخلصوا به - والمقصد من ذلك تيئيسهم مما علّقوا به أطماعهم من الهلاك ، وتنبيه إلى أن عذابهم أبدى لاخلاص لهم منه . وبعد أن وصف عقاب المكذبين بالساعة ، أردفه ما يؤكد حسرتهم وندامتهم فقال : ( قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ؟ ) أي قل لهؤلاء المكذبين تهكما بهم وتحسيرا لهم على ما فاتهم : أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد ، وقد وعدها من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه ؟